ابن خلكان
200
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وورد كتاب هارون مع خادم فقال : هذا كتاب أمير المؤمنين ، فقال : مكانك ؛ نحن في شيء حتى نفرغ منه ، فقال : كتاب أمير المؤمنين ، فقال : انظر ما يقال لك ، فلما فرغ حفص من السجل أخذ الكتاب من الخادم فقرأه فقال : اقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إن كتابه ورد وقد أنفذت الحكم ، فقال الخادم : قد عرفت ما صنعت ، أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد ؛ واللّه لأخبرنّ أمير المؤمنين بما فعلت ! فقال حفص : قل له ما أحببت ، فجاء الخادم فأخبر هارون فضحك وقال للحاجب : مر لحفص بثلاثين ألف درهم ، فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصا منصرفا من مجلس القضاء فقال : أيها القاضي قد سررت أمير المؤمنين وأمر لك بثلاثين ألف درهم فما السبب ؟ فقال : تمم اللّه سرور أمير المؤمنين وأحسن حفظه وكلاءته ما زدت على ما أفعل كل يوم ، سجلت على مرزبان المجوسي بما وجب عليه ؛ قال يحيى بن خالد : فمن هذا سر أمير المؤمنين ، فقال حفص : الحمد للّه كثيرا ، فقالت أم جعفر لهارون : لا أنا ولا أنت إلا أن تعزل حفصا ، فأبى عليها ، ثم ألحت عليه فعزله عن الشرقية وولاه قضاء الكوفة ، فمكث عليها ثلاث عشرة سنة . وكان أبو يوسف لما ولي حفص القضاء قال لأصحابه : تعالوا نكتب نوادر حفص ، فلما وردت احكامه وقضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه : أين النوادر التي زعمت بكتبها ؟ قال : ويحكم إن حفصا أراد اللّه فوفقه . وقال حفص : واللّه ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة . ومات رحمه اللّه ولم يخلف درهما وخلف عليه تسعمائة درهم دينا . وكان يقال : ختم القضاء بحفص بن غياث . وقال الحسين بن المغيرة : رأى بعض الصالحين كأن زورقا غرق بين الجسرين وفيه عشرون قاضيا ، فما نجا منهم إلا ثلاثة على سوءاتهم : حفص بن غياث والقاسم بن معن وشريك . وقال يحيى بن معين : جميع ما حدّث به حفص بن غياث ببغداد والكوفة إنما هو من حفظه ، لم يخرج كتابا ؛ كتبوا عنه ثلاثة آلاف وأربعة آلاف حديث من حفظه .